الزَّهْرَةُ الخَامِسَةُ: زَهْرَةُ الأُلْفَةِ

في وقفاتنا الإيمانية ضمن برنامج “البيوت القرآنية” في النَّادي الصيفي، عن بعد، لمركز آل حنزاب للقرآن الكريم وعلومه، نجدّد اللّقاء، مع زهرة جديدة، من زهور ” الكوفيد”، نتلمّس معانيها من رحيق كتاب الله تعالى في قوله: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. (الأنفال:63). ونعيشُ قيمتها الإيمانية في ظلال قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}. (آل عمران:103).

ونستشعر أهميتها في حياتنا من توجيهات حبيبنا محمّد صلّى الله عليه وسلم، الذي يروي عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، أنّه قال: ((المؤمن يأْلَف ويُؤْلَف، ولا خيرَ فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف))[1].

قال الإمامُ الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين): (الأُلْفَة ثَمَرَة حُسْن الخُلُق، والتَّفرق ثَمَرَة سوء الخُلُق، فَحُسْن الخُلُق يُوجب التَّحبُّب والتَّآلف والتَّوافق، وسُوء الخُلُق يُثمر التَّباغض والتَّحاسد والتَّناكر).

فما هي الألفة؟

قال الرّاغب الأصبهاني في كتابه (مفردات ألفاظ القرآن الكريم): (الإلْفُ: اجتماع مع التئام، يقال: أَلَّفْتُ بينهم، ومنه: الأُلْفَة).

والألفة من الأخلاق الحميدة التي تضفي على بيوتنا ومجتمعاتنا مزيداً من التماسك والتفاهم والتعاون، وتمضي بأفراده نحو تحقيق الانسجام الذي يقود إلى العمل والإبداع والإنجاز، ثمَّ الرّضا والطمأنينة وراحة البال.

زهرة “الألفة” التي سنقطفها من “الكوفيد”، هي زهرة لا تُعطى ولا تُهدى إلاَّ لمؤمن، والظفر بها هو من صُلب المِنح التي تولد من أرحام المحن، وهذا خاصٌّ بنّا أمّة الإسلام، أمَّة محمَّد، عليه أفضل الصَّلاة وأزكى السَّلام، تلك الأمَّة الخيّرة التي أخرجت للنَّاس {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}. (آل عمران:110).

وقائدُها، صلّى الله عليه وسلّم، هو الذي يبيّن لنا بأنَّ أمرنا كلّه خيرٌ، فلنتفاءل ولنسعد ولنستبشر بكل ما يقدر لنا، وبالتَّالي نستقبل المحن والابتلاءات بهذه الزهور، زهور الألفة، ونحسن التعامل مع ما قدَّره ربّنا، بتحقيق الألفة والتواصل مع النَّاس بالحبّ.

فـ”كوفيد19” فيروسٌ صُنّفَ وباءً وحصدَ أرواحاً، ولكنَّه نزل علينا برداً وسلاماً بلطف من الله تعالى، لتكون هذه الزّهرة من قطاف زهورنا المثمرة واليانعة، عندما كان التصدّي لهذا الفيروس بأعمال وخطوات احترازية، هي من صميم اتخاذ الأسباب التي يريدها الله حماية للأنفس والأرواح، فكانت المعالجة لهذا الفيروس لزوم البيوت والتزامها وليس ترك البيوت وهجرانها، ونقطف زهرة الألفة من وسط المحن، لنحوّلها إلى منح ربانية وعطايا إلهية:

  • ألَمْ تلتمَّ العائلة في بيتها آمنة مطمئنة، فأعاد هذه الوباء للأسر والبيوت اعتباراً؟!
  • ألم تعرض البدائل للموظفات بالقرب من بيوتهنّ ليؤدّوا أعمالهن؟!
  • ألَم يحظَ الأطفال بإشراف مباشر من والديهم على تعليمهم وطعامهم ومشاركتهم أنشطتهم؟!
  • ألم يستشعر الأطفال بهذا الوباء حِرْصَ والديهم على صحّتهم وخوفهم عليهم ومحبّتهم لهم.
  • ألم يستشعر أفراد الأسرة قيمة الاجتماع واللّقاء اليومي، وتوطيد الرّوابط وتعزيز الوشائج؟!
  • ألَمْ يخرج البقاءُ في البيوت والتزامها، طاقات كانت كامنة، ومشاعر كانت حبيسة، وأفكاراً مبدعة كانت مختزنة، لتطلق العنان لها في التفكير والتميّز.

لقد أصبحت بيوتنا بفضل الله تعالى مساجدَ تُقام فيها الصلوات والأذكار، تأنس بالعبادة وتصدع بالتكبير والتهليل: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}. (النور:36).

وأصبح الأبناء مؤذنين وأئمة للصَّلاة، وباتت زوايا البيوت وأركانها محاريب لذكر الله وتلاوة كتابه، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)).[2]

أقبلت العائلة بصغارها وكبارها على كتاب الله الكريم، تنهل منه ما يروي عطشها، وتتزوّد منه ما يعينها في هذه الحياة، فوجدت فيه ذكرها ومنهجها ودستورها وشفاءها، وتفسير لكلّ ما يصيبها، ومعالم هادية في طريقها، وقصص وسير وأحداث تفتح آفاقها وتثبّتها وتُعينها وتمنحها العِلْمَ والعَمَلَ والأَمَل، لتزدادَ الألفة وتتوطّد العلاقة وتتعزّز المحبّة، وهذا ما عناه الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بقوله: ((لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَه))[3].

لقد كانت هذه الجائحة نعمةً عظيمةً، حيث صرفنا الله بها من صخب الشّوارع وضجيجها إلى سكينة النفوس وطمأنينتها، إلى أنس البيوت وصفائها، صرفنا الله سبحانه عنها، لنحسن إلى من استرعانا الله إيَّاهم، ونزداد قرباً منهم وصِلة بهم، فنشرف على تدريسهم وأحاديثهم والتعرّف على أفكارهم وتطّلعاتهم وأمانيهم، ولنشاركهم كلّ ذلك، في أجواء فيها الألفة والمحبّة والرّعاية والاهتمام.

ما أجمل القلوب والأرواح، حين تزيَّن باللّجوء إلى الله والتضرّع والانكسار بين يديه، بدل أن يكون مبلغ علم النَّاس وأمانيهم وأعمالهم وجلّ اهتمامهم في تزيين البيوت والأواني والمفاخرة بها والتنافس فيها والبذخ والتبذير في شرائها واقتنائها.

مِنحٌ كثيرة كسبناها في هذا الفيروس، وزهور قطفناها من هذه الجائحة، فكانت لنا فيها نماذج مميّزة لبيوت تعمرها الألفة والمحبَّة، وهو ما يجب أن يكون حالها في كلّ الظروف.

فلعلَّ في ذلك كلّ الخيرُ والبركة للوقوف دوماً على إنعام وأفضال الله سبحانه في واقعنا وحياتنا، غفلنا عنها أو نسينا ذكرها وشكرها، ولتكون هذه الزّهور ورياحينها دافعاً لنا دوماً ليصبح هذا حالنا أبداً، {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. (التوبة: 105).

[1]  رواه الإمام أحمد في مسنده.

[2]  حديثٌ متفق عليه.

[3]  أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.