الزَّهْرَةُ السَّابِعَةُ: زَهْرَةُ الشُّكْرِ

زهرة اليوم زهرة جميلة مثمرة مؤثرة، ترى أثرَ جمالها مباشرة، وفي نفس اللَّحظة.

فيا ترى، ماهي زهرتنا التي سنختم اليوم بها لقاءنا في “البيوت القرآنية”؟

هي زهرة عادةً ما تقدِّم في ختامِ كلّ أمرٍ محمودٍ أو قولٍ مقبول، وأنا اليومَ أقول لكم جميعاً ((شكراً)). نعم، إنَّها زهرة ((الشُّكر)).

زهرتنا أخذناها من آيات ربنا سبحانه وتعالى، قوله تعالى: {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}. (النحل:114)، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}. (لقمان: 12).

ومن سنّة نبيّنا، صلّى الله عليه وسلّم، عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذ بيده، وقال: ((يا معاذ، والله إنّي لأحبّك، والله إنّي لأحبّك، فقال: أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللَّهمَّ أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)). وزهرة “الشكر” مستوحاة من أسماء الله الحسنى، واسمه تعالى ” الشاكر” والشكور”، قال ابن منظور: “الشَّكور من صفات الله جل اسمه معناه: أنه يزكو عنده القليل من أعمال العباد، فيضاعف لهم الجزاء، وشكره لعباده: مغفرته لهم وإنعامه على عباده وجزاؤه بما أقامه من العبادة. وقال السعدي، رحمه الله، في تفسيره: (الشكر: اعتراف القلب بمنة الله تعالى، وتلقيها افتقارًا إليها، وصرفها في طاعة الله تعالى، وصونها عن صرفها في المعصية).

هي زهرة لا تكلّف كثيراً، لكنَّها تعطي صاحبَها والمبادر بها من الأجر والثواب والأثر العميق والدَّائم:

  • استشعارٌ في القلب وامتنانه لمن أسدى إليك المعروف سواءً كانت قولاً أو فعلاً أو حركة.
  • رد الفعل بمثلها أو خيرٍ منها، أيضاً لا تخرج من كونها قولاً أو فعلاً أو حركة، لها أثرها اللحظي ومباشرٌ لا تأجيلَ فيه.
  • يبدأ بمشاعر سرور وابتهاج، مقرونة بامتنان في القلب لصنيع الطرف الآخر.
  • مظاهر غبطة وفرحة يعكسها استبشارٌ وفرحٌ تجده على محيا المتلقي.
  • الزيادة من الله لكلّ من شكرت، وكلّما زاد شكرك لله وعملت شاكراً لله ولخلقه، كانت لك الزيادة مضمونة، هو قانون إلهي ومعادلة ربانية، وعدٌ من الله لا يخلف الميعاد، قال الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}. (إبراهيم:7).

و”الشكر” هو أفضلُ العبادات القلبية، وجزاؤها عظيمٌ عند الله سبحانه، وكثيراً ما وَعَدَ اللهُ كلَّ عملٍ أو قولٍ محمودٍ بالجزاء والأجر الجزيل، قال تعالى: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}. (آل عمران: 145)، وقال سبحانه: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}. (آل عمران: 144). وهو عائدٌ على العبد شكره {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}. (النمل:40).

وقد قدَّم كثيرٌ من العلماء الشكر على الصبر لفرق الحالتين، حيث إنَّ الصَّبر يأتي عند البلاء والشدائد وفطرة الإنسان لجوؤه إلى الله في هذه الحالة حتّى عند الكفَّار، كما حصل لفرعون عندما أدركه الغرق {حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}. (يونس:90).

أمَّا الشكرُ عند النَّعماء، والتي غالباً ما يُفْتَنُ الإنسانُ بإقبال الدُّنيا وبهرجها وزخارفها، فهذا توفيقٌ من الله وبرّ منه سبحانه، لزيادة النِّعم، وكثيراً ما جاءت الآيات من الله مذكّرة إيَّانا بالنّعم تودّداً ورحمة منه، عسى أن تكون دافعاً لنا على شكره سبحانه.

وفي حديثنا عن الشُّكر وأنواعه وميادينه، يظهر السؤال هنا: هل الشكر جاء محدَّداً ومقتصراً على أشياء معينة؟

نقول وبالله التَّوفيق: إنَّ الشّكر عامٌ شامل لكلّ ما حبانا الله به من نِعَمٍ، قد ندركها أو لا ندركها، حسب استشعارنا والتماسنا له وقوّة ذلك، أو قد نغفل عنها بدوامها وتكرارها في حياتنا، ومن أمثلة ذلك:

  1. نِعَمُ الإيمان والتوحيد، وكتاب الله، ولغة القرآن، والصلاة على نبيّنا عليه أفضل الصَّلاة وأزكى السَّلام.
  2. نِعمة النوم والاستيقاظ.
  3. نِعم الأكل والشّرب وقضاء الحاجة.
  4. نِعم الصّحة والعافية والأمن والجسد وكل ما حوى والعمليات الحيوية التي تتم دون جهد منّا أو إدراك لها في طبيعتها وعملها.

ولذلك، بناتي الكريمات وأخواتي الفاضلات، حتّى نمارس خلق وعبادة الشّكر، ونقطف زهورها، وننعم بآثاره الطيّبة في حياتنا، ونفوز بجوائزها، لابدَّ من أن نرفعَ سقف استشعارنا، لما حولنا ونجتهد في بعث رسائل الشّكر والامتنان للآخرين، فها هو الصحابي الجليل عبد الله بن عبّاس، رضي الله عنه، حَبرُ الأمَّة وترجمان القرآن الكريم، يرشدنا إلى ذلك، فيقول: ثلاثة لا أجازيهم أبداً:

  1. رجلٌ وسّع لي في المجلس.
  2. ورجلُ بدأني بالسَّلام.
  3. ورجل اغبَّرت قدماه للسَّلام عليَّ.
  4. أمَّا الرَّابع، فلا يكافئه عنّي سوى الله سبحانه. قيل: مَنْ يا ابنَ عبَّاس؟ قال: رجلٌ ألمَّت به ضائقة، فنام ليلتها يفكّر بمن ينزل حاجته، فوجدني أهلاً لذلك))[1].

فكيف نقطف هذه الزهرة في هذه الجائحة؟

  • نقطف زهرة الشّكر لله في هذه الجائحة، لأنَّنا تعلّمنا فيها عظمة الله وحدَه، وقدرته سبحانه ومقدرته وتقديره، وأنَّ الكونَ له، بيده كل شيء ومقادير كلّ شيء.
  • تعلّمنا فيها التضرّع والدُّعاء.
  • زهرة شكرنا الله على العائلة الجميلة ولمَّة الأسرة تحت سقف واحد.
  • قطفنا زهرة الشُّكر لمجتمع فاضل، نعيش في رحابه، مؤمنين موحّدين عابدين مسبّحين لله تعالى.
  • قطفنا زهرة الشَّكر، في مقامات ومنازل (إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعينُ)؛ حيث منزلة الشكر، التي هي من أعلى المنازل، وهي فوق منزلة ((الرّضا)) وزيادة؛ فالرّضا مندرجٌ في الشّكر، إذ يستحيل وجود الشكر بدونه، كما يقول ابنُ قيّم الجوزية.

وفي الختام، نسأل الله تعالى أن يوفقّنا دائماً إلى عبادة الشّكر، لنقطف زهرتها في حياتنا وننعم بالرّضا، وأن نكون من عباده الذين قال فيهم: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}. (سبأ:13).

مرّ الفاروقُ العادلُ عمرُ بن الخطاب، رضي الله عنه، ذات يوم برجل في السّوق، فإذا بالرجل يدعو ويقول:(اللهمَّ اجعلني من عبادك القليل. اللهمَّ اجعلني من عبادك القليل). فقال له عمرُ: من أين أتيت بهذا الدعاء؟ فقال الرَّجل: إنَّ الله يقول في كتابه العزيز: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}، فبكى الفاروق عمر، رضي الله عنه، وقال: ((كلّ النَّاس أفقهُ منك يا عمر، اللهمَّ اجعلنا من عبادك القليل))[2].

[1]  رواه البيهقي في شعب الإيمان.

[2]  رواه ابنُ أبي شيبة في المصنّف، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في الزهد لأبيه، وذكره القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن.