الزَّهْرَةُ السَّادِسَة: زَهْرَةُ القُدْرَةِ

زهرتنا الخامسة من زهور “الكوفيد”، والتي اخترناها من بساتين المنح الكثيرة التي نستقيها من مِحَنٍ تصيبُ أفرادَ الأمَّة خلال جائحة كورونا، في أجسادها وأرواحها وقلوبها، هي زهرة فريدةٌ من نوعها، ذلك أنَّها موصولة بالله سبحانه وتعالى، ومتعلّقة باسم من أسمائها الحسنى وصفاته العليا، هي زهرة “القُدرة”، التي نستشفها من أسماء الله الحسنى “القادر” و” القدير” و”المقتدر”، فمخلوقاته سبحانه في هذا الكون الفسيح، على تنوّعها هي برهانٌ ساطع ودليل قاطعٌ على قدرته اللامتناهية وإرادته اللاّمحدودة، فهو القادرُ القديرُ المقتدرُ على التحكّم بكل أفعال مخلوقاته، وكلّها أسماء حسنى له سبحانه، تعني في جملتها السّيطرة والتمكّن والهيمنة: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}.  (الزمر :67)، فالقَادِرُ هو المتَمَكِّن: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ}. (يس :81)، والقدير صيغة مبالغة لقدرته سبحانه: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. (البقرة :148). والمقْتَدِرُ أبلغُ وأعمُّ في المعنى، كما في سورة الكهف: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا}.  (الكهف:45). فالله قادرٌ على كلّ شيء مقدّر لكلّ شيء، مُقتدرٌ لا يلابسُ قدرتَه عجزٌ، سبحانه وتعالى.

قال الإمام الزجّاج: قال الزَّجاج: “القادر: هو الله القادر على ما يشاءُ، لا يُعجزُه شيء، ولا يفوتُه مطلوبٌ، والقادر منا -وإن استحقَّ هذا الوصف -فإنَّ قدرتَه مستعارةٌ، وهي عنده وديعةٌ من الله تعالى، ويجوزُ عليه العجزُ في حال، والقدرةُ في أخرى”.

 

وفي زهرتنا (القدرة)، نستحضر إيماننا العميق بقدرة الله تعالى، في هذه الجائحة التي أصابت العالم، وفرضت عليه تغيير عاداته الاجتماعية وقواعد منظومته الاقتصادية، وعلاقاته السياسية، لتظهر جلياً قدرة الله تعالى وحكمته في:

  • كسر أصنام القوَّة المهيمنة، والتي كوَّنتها الأنظمة العالمية على مدى سنين وسيطرت بها على عقول العالمين، وجعلها “فيروس” لا يُرى بالعين المجرّدة عاجزةً أمامه، لا قيمة لقوّتها ولا لمالها ولا نفوذها ولا سلاحها، بل أصبحت تتحدَّى لإمدادها بالأكسجين، إنّه الله القادر، حين حكم عليها مخلوقٌ مجهري ووضعها في بيوتها وعطَّل أنشطتها، وانكشف ضعف الإنسان، وتلاشت قوَّته الكرتونية التي صنعها.
  • عادت البيئة إلى طبيعتها في زمن قصير، في حين عجزت عن ذلك المؤتمرات والأبحاث والمناظرات لسنين، وأصبح الكون في هوائه ومناخه، أنقى وأجمل، وأكثر أمناً وصفاءً، بعد أن أفسده دور البشر وأنشطته المدمّرة والملوّثة.
  • كشفت هشاشة الدّول العظمى في أنظمته الصحيّة العالمية، وعرّت عجزها في التعامل مع هذه الجائحة، حين استسلمت وأعلنت عجزها عن مواجهته.
  • بيَّنت حاجة الإنسان للدّين ومعرفة ربّ العالمين وقدرته على الخلق أجمعين:
  1. فالصّين سمحت بإقامة الصَّلاة في شوارعها.
  2. وألمانيا رحّبت برفع الآذان، لأنَّه يبعثُ على الطمأنينة والسَّكينة في نفوس المستمعين.
  3. ورئيس أمريكا يأتي بالقرَّاء ليقرؤوا عليه آياتِ القرآن الكريم.
  4. والنَّاس، مؤمنهم وكافرهم، يتضرّعون إلى الخالق، حين عرفوا أنَّه الله هو القادر والقدير المقتدر سبحانه وتعالى عمَّا كانوا يشركون.

وفي حديثنا عن زهرة “القدرة” نستحضر حديثَ الاستخارة الجميل في عبارته ومفرداته، الذي كان رسول الله صلّى الله وسلّم، يعلّمه صحابته رضوان الله عليهم، الاستخارة في كلّ شيء، كما يروي ذلك الصَّحابي الجليل، جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما [1] ، ففي حديث الاستخارة، تكمن كلّ معاني التسليم بقدرة الله، وأنَّه سبحانه المدبّرُ لكلّ شيءٍ، القادرُ على كلّ شيء، ((اللَّهمَّ إنّي أستخيرُك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألُك من فضلك العظيم؛ فإنَّك تقدِرُ ولا أقدِرُ، وتَعلَمُ ولا أعلَمُ، وأنتَ علاَّم الغُيُوب)).

إنَّها زهرة “القدرة”، النَّابعة من اسم الله تعالى وصفته، الذي نلجأ إليه دبر كلّ صلاة بدعائنا: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللَّهمَّ لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد))[2].

[1]  ((كان رسول الله ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلّها)). رواه الإمام البخاري في صحيحه.

[2]  في الصَّحيحين وغيرهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول هذا الدعاء في دبر كل صلاة مكتوبة.