Category

الزَّهْرَةُ السَّابِعَةُ: زَهْرَةُ الشُّكْرِ

زهرة اليوم زهرة جميلة مثمرة مؤثرة، ترى أثرَ جمالها مباشرة، وفي نفس اللَّحظة.

فيا ترى، ماهي زهرتنا التي سنختم اليوم بها لقاءنا في “البيوت القرآنية”؟

هي زهرة عادةً ما تقدِّم في ختامِ كلّ أمرٍ محمودٍ أو قولٍ مقبول، وأنا اليومَ أقول لكم جميعاً ((شكراً)). نعم، إنَّها زهرة ((الشُّكر)).

زهرتنا أخذناها من آيات ربنا سبحانه وتعالى، قوله تعالى: {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}. (النحل:114)، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}. (لقمان: 12).

ومن سنّة نبيّنا، صلّى الله عليه وسلّم، عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذ بيده، وقال: ((يا معاذ، والله إنّي لأحبّك، والله إنّي لأحبّك، فقال: أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللَّهمَّ أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)). وزهرة “الشكر” مستوحاة من أسماء الله الحسنى، واسمه تعالى ” الشاكر” والشكور”، قال ابن منظور: “الشَّكور من صفات الله جل اسمه معناه: أنه يزكو عنده القليل من أعمال العباد، فيضاعف لهم الجزاء، وشكره لعباده: مغفرته لهم وإنعامه على عباده وجزاؤه بما أقامه من العبادة. وقال السعدي، رحمه الله، في تفسيره: (الشكر: اعتراف القلب بمنة الله تعالى، وتلقيها افتقارًا إليها، وصرفها في طاعة الله تعالى، وصونها عن صرفها في المعصية).

هي زهرة لا تكلّف كثيراً، لكنَّها تعطي صاحبَها والمبادر بها من الأجر والثواب والأثر العميق والدَّائم:

  • استشعارٌ في القلب وامتنانه لمن أسدى إليك المعروف سواءً كانت قولاً أو فعلاً أو حركة.
  • رد الفعل بمثلها أو خيرٍ منها، أيضاً لا تخرج من كونها قولاً أو فعلاً أو حركة، لها أثرها اللحظي ومباشرٌ لا تأجيلَ فيه.
  • يبدأ بمشاعر سرور وابتهاج، مقرونة بامتنان في القلب لصنيع الطرف الآخر.
  • مظاهر غبطة وفرحة يعكسها استبشارٌ وفرحٌ تجده على محيا المتلقي.
  • الزيادة من الله لكلّ من شكرت، وكلّما زاد شكرك لله وعملت شاكراً لله ولخلقه، كانت لك الزيادة مضمونة، هو قانون إلهي ومعادلة ربانية، وعدٌ من الله لا يخلف الميعاد، قال الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}. (إبراهيم:7).

و”الشكر” هو أفضلُ العبادات القلبية، وجزاؤها عظيمٌ عند الله سبحانه، وكثيراً ما وَعَدَ اللهُ كلَّ عملٍ أو قولٍ محمودٍ بالجزاء والأجر الجزيل، قال تعالى: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}. (آل عمران: 145)، وقال سبحانه: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}. (آل عمران: 144). وهو عائدٌ على العبد شكره {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}. (النمل:40).

وقد قدَّم كثيرٌ من العلماء الشكر على الصبر لفرق الحالتين، حيث إنَّ الصَّبر يأتي عند البلاء والشدائد وفطرة الإنسان لجوؤه إلى الله في هذه الحالة حتّى عند الكفَّار، كما حصل لفرعون عندما أدركه الغرق {حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}. (يونس:90).

أمَّا الشكرُ عند النَّعماء، والتي غالباً ما يُفْتَنُ الإنسانُ بإقبال الدُّنيا وبهرجها وزخارفها، فهذا توفيقٌ من الله وبرّ منه سبحانه، لزيادة النِّعم، وكثيراً ما جاءت الآيات من الله مذكّرة إيَّانا بالنّعم تودّداً ورحمة منه، عسى أن تكون دافعاً لنا على شكره سبحانه.

وفي حديثنا عن الشُّكر وأنواعه وميادينه، يظهر السؤال هنا: هل الشكر جاء محدَّداً ومقتصراً على أشياء معينة؟

نقول وبالله التَّوفيق: إنَّ الشّكر عامٌ شامل لكلّ ما حبانا الله به من نِعَمٍ، قد ندركها أو لا ندركها، حسب استشعارنا والتماسنا له وقوّة ذلك، أو قد نغفل عنها بدوامها وتكرارها في حياتنا، ومن أمثلة ذلك:

  1. نِعَمُ الإيمان والتوحيد، وكتاب الله، ولغة القرآن، والصلاة على نبيّنا عليه أفضل الصَّلاة وأزكى السَّلام.
  2. نِعمة النوم والاستيقاظ.
  3. نِعم الأكل والشّرب وقضاء الحاجة.
  4. نِعم الصّحة والعافية والأمن والجسد وكل ما حوى والعمليات الحيوية التي تتم دون جهد منّا أو إدراك لها في طبيعتها وعملها.

ولذلك، بناتي الكريمات وأخواتي الفاضلات، حتّى نمارس خلق وعبادة الشّكر، ونقطف زهورها، وننعم بآثاره الطيّبة في حياتنا، ونفوز بجوائزها، لابدَّ من أن نرفعَ سقف استشعارنا، لما حولنا ونجتهد في بعث رسائل الشّكر والامتنان للآخرين، فها هو الصحابي الجليل عبد الله بن عبّاس، رضي الله عنه، حَبرُ الأمَّة وترجمان القرآن الكريم، يرشدنا إلى ذلك، فيقول: ثلاثة لا أجازيهم أبداً:

  1. رجلٌ وسّع لي في المجلس.
  2. ورجلُ بدأني بالسَّلام.
  3. ورجل اغبَّرت قدماه للسَّلام عليَّ.
  4. أمَّا الرَّابع، فلا يكافئه عنّي سوى الله سبحانه. قيل: مَنْ يا ابنَ عبَّاس؟ قال: رجلٌ ألمَّت به ضائقة، فنام ليلتها يفكّر بمن ينزل حاجته، فوجدني أهلاً لذلك))[1].

فكيف نقطف هذه الزهرة في هذه الجائحة؟

  • نقطف زهرة الشّكر لله في هذه الجائحة، لأنَّنا تعلّمنا فيها عظمة الله وحدَه، وقدرته سبحانه ومقدرته وتقديره، وأنَّ الكونَ له، بيده كل شيء ومقادير كلّ شيء.
  • تعلّمنا فيها التضرّع والدُّعاء.
  • زهرة شكرنا الله على العائلة الجميلة ولمَّة الأسرة تحت سقف واحد.
  • قطفنا زهرة الشُّكر لمجتمع فاضل، نعيش في رحابه، مؤمنين موحّدين عابدين مسبّحين لله تعالى.
  • قطفنا زهرة الشَّكر، في مقامات ومنازل (إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعينُ)؛ حيث منزلة الشكر، التي هي من أعلى المنازل، وهي فوق منزلة ((الرّضا)) وزيادة؛ فالرّضا مندرجٌ في الشّكر، إذ يستحيل وجود الشكر بدونه، كما يقول ابنُ قيّم الجوزية.

وفي الختام، نسأل الله تعالى أن يوفقّنا دائماً إلى عبادة الشّكر، لنقطف زهرتها في حياتنا وننعم بالرّضا، وأن نكون من عباده الذين قال فيهم: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}. (سبأ:13).

مرّ الفاروقُ العادلُ عمرُ بن الخطاب، رضي الله عنه، ذات يوم برجل في السّوق، فإذا بالرجل يدعو ويقول:(اللهمَّ اجعلني من عبادك القليل. اللهمَّ اجعلني من عبادك القليل). فقال له عمرُ: من أين أتيت بهذا الدعاء؟ فقال الرَّجل: إنَّ الله يقول في كتابه العزيز: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}، فبكى الفاروق عمر، رضي الله عنه، وقال: ((كلّ النَّاس أفقهُ منك يا عمر، اللهمَّ اجعلنا من عبادك القليل))[2].

[1]  رواه البيهقي في شعب الإيمان.

[2]  رواه ابنُ أبي شيبة في المصنّف، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في الزهد لأبيه، وذكره القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن.

الزَّهْرَةُ السَّادِسَة: زَهْرَةُ القُدْرَةِ

زهرتنا الخامسة من زهور “الكوفيد”، والتي اخترناها من بساتين المنح الكثيرة التي نستقيها من مِحَنٍ تصيبُ أفرادَ الأمَّة خلال جائحة كورونا، في أجسادها وأرواحها وقلوبها، هي زهرة فريدةٌ من نوعها، ذلك أنَّها موصولة بالله سبحانه وتعالى، ومتعلّقة باسم من أسمائها الحسنى وصفاته العليا، هي زهرة “القُدرة”، التي نستشفها من أسماء الله الحسنى “القادر” و” القدير” و”المقتدر”، فمخلوقاته سبحانه في هذا الكون الفسيح، على تنوّعها هي برهانٌ ساطع ودليل قاطعٌ على قدرته اللامتناهية وإرادته اللاّمحدودة، فهو القادرُ القديرُ المقتدرُ على التحكّم بكل أفعال مخلوقاته، وكلّها أسماء حسنى له سبحانه، تعني في جملتها السّيطرة والتمكّن والهيمنة: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}.  (الزمر :67)، فالقَادِرُ هو المتَمَكِّن: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ}. (يس :81)، والقدير صيغة مبالغة لقدرته سبحانه: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. (البقرة :148). والمقْتَدِرُ أبلغُ وأعمُّ في المعنى، كما في سورة الكهف: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا}.  (الكهف:45). فالله قادرٌ على كلّ شيء مقدّر لكلّ شيء، مُقتدرٌ لا يلابسُ قدرتَه عجزٌ، سبحانه وتعالى.

قال الإمام الزجّاج: قال الزَّجاج: “القادر: هو الله القادر على ما يشاءُ، لا يُعجزُه شيء، ولا يفوتُه مطلوبٌ، والقادر منا -وإن استحقَّ هذا الوصف -فإنَّ قدرتَه مستعارةٌ، وهي عنده وديعةٌ من الله تعالى، ويجوزُ عليه العجزُ في حال، والقدرةُ في أخرى”.

 

وفي زهرتنا (القدرة)، نستحضر إيماننا العميق بقدرة الله تعالى، في هذه الجائحة التي أصابت العالم، وفرضت عليه تغيير عاداته الاجتماعية وقواعد منظومته الاقتصادية، وعلاقاته السياسية، لتظهر جلياً قدرة الله تعالى وحكمته في:

  • كسر أصنام القوَّة المهيمنة، والتي كوَّنتها الأنظمة العالمية على مدى سنين وسيطرت بها على عقول العالمين، وجعلها “فيروس” لا يُرى بالعين المجرّدة عاجزةً أمامه، لا قيمة لقوّتها ولا لمالها ولا نفوذها ولا سلاحها، بل أصبحت تتحدَّى لإمدادها بالأكسجين، إنّه الله القادر، حين حكم عليها مخلوقٌ مجهري ووضعها في بيوتها وعطَّل أنشطتها، وانكشف ضعف الإنسان، وتلاشت قوَّته الكرتونية التي صنعها.
  • عادت البيئة إلى طبيعتها في زمن قصير، في حين عجزت عن ذلك المؤتمرات والأبحاث والمناظرات لسنين، وأصبح الكون في هوائه ومناخه، أنقى وأجمل، وأكثر أمناً وصفاءً، بعد أن أفسده دور البشر وأنشطته المدمّرة والملوّثة.
  • كشفت هشاشة الدّول العظمى في أنظمته الصحيّة العالمية، وعرّت عجزها في التعامل مع هذه الجائحة، حين استسلمت وأعلنت عجزها عن مواجهته.
  • بيَّنت حاجة الإنسان للدّين ومعرفة ربّ العالمين وقدرته على الخلق أجمعين:
  1. فالصّين سمحت بإقامة الصَّلاة في شوارعها.
  2. وألمانيا رحّبت برفع الآذان، لأنَّه يبعثُ على الطمأنينة والسَّكينة في نفوس المستمعين.
  3. ورئيس أمريكا يأتي بالقرَّاء ليقرؤوا عليه آياتِ القرآن الكريم.
  4. والنَّاس، مؤمنهم وكافرهم، يتضرّعون إلى الخالق، حين عرفوا أنَّه الله هو القادر والقدير المقتدر سبحانه وتعالى عمَّا كانوا يشركون.

وفي حديثنا عن زهرة “القدرة” نستحضر حديثَ الاستخارة الجميل في عبارته ومفرداته، الذي كان رسول الله صلّى الله وسلّم، يعلّمه صحابته رضوان الله عليهم، الاستخارة في كلّ شيء، كما يروي ذلك الصَّحابي الجليل، جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما [1] ، ففي حديث الاستخارة، تكمن كلّ معاني التسليم بقدرة الله، وأنَّه سبحانه المدبّرُ لكلّ شيءٍ، القادرُ على كلّ شيء، ((اللَّهمَّ إنّي أستخيرُك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألُك من فضلك العظيم؛ فإنَّك تقدِرُ ولا أقدِرُ، وتَعلَمُ ولا أعلَمُ، وأنتَ علاَّم الغُيُوب)).

إنَّها زهرة “القدرة”، النَّابعة من اسم الله تعالى وصفته، الذي نلجأ إليه دبر كلّ صلاة بدعائنا: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللَّهمَّ لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد))[2].

[1]  ((كان رسول الله ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلّها)). رواه الإمام البخاري في صحيحه.

[2]  في الصَّحيحين وغيرهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول هذا الدعاء في دبر كل صلاة مكتوبة.

الزَّهْرَةُ الخَامِسَةُ: زَهْرَةُ الأُلْفَةِ

في وقفاتنا الإيمانية ضمن برنامج “البيوت القرآنية” في النَّادي الصيفي، عن بعد، لمركز آل حنزاب للقرآن الكريم وعلومه، نجدّد اللّقاء، مع زهرة جديدة، من زهور ” الكوفيد”، نتلمّس معانيها من رحيق كتاب الله تعالى في قوله: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. (الأنفال:63). ونعيشُ قيمتها الإيمانية في ظلال قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}. (آل عمران:103).

ونستشعر أهميتها في حياتنا من توجيهات حبيبنا محمّد صلّى الله عليه وسلم، الذي يروي عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، أنّه قال: ((المؤمن يأْلَف ويُؤْلَف، ولا خيرَ فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف))[1].

قال الإمامُ الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين): (الأُلْفَة ثَمَرَة حُسْن الخُلُق، والتَّفرق ثَمَرَة سوء الخُلُق، فَحُسْن الخُلُق يُوجب التَّحبُّب والتَّآلف والتَّوافق، وسُوء الخُلُق يُثمر التَّباغض والتَّحاسد والتَّناكر).

فما هي الألفة؟

قال الرّاغب الأصبهاني في كتابه (مفردات ألفاظ القرآن الكريم): (الإلْفُ: اجتماع مع التئام، يقال: أَلَّفْتُ بينهم، ومنه: الأُلْفَة).

والألفة من الأخلاق الحميدة التي تضفي على بيوتنا ومجتمعاتنا مزيداً من التماسك والتفاهم والتعاون، وتمضي بأفراده نحو تحقيق الانسجام الذي يقود إلى العمل والإبداع والإنجاز، ثمَّ الرّضا والطمأنينة وراحة البال.

زهرة “الألفة” التي سنقطفها من “الكوفيد”، هي زهرة لا تُعطى ولا تُهدى إلاَّ لمؤمن، والظفر بها هو من صُلب المِنح التي تولد من أرحام المحن، وهذا خاصٌّ بنّا أمّة الإسلام، أمَّة محمَّد، عليه أفضل الصَّلاة وأزكى السَّلام، تلك الأمَّة الخيّرة التي أخرجت للنَّاس {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}. (آل عمران:110).

وقائدُها، صلّى الله عليه وسلّم، هو الذي يبيّن لنا بأنَّ أمرنا كلّه خيرٌ، فلنتفاءل ولنسعد ولنستبشر بكل ما يقدر لنا، وبالتَّالي نستقبل المحن والابتلاءات بهذه الزهور، زهور الألفة، ونحسن التعامل مع ما قدَّره ربّنا، بتحقيق الألفة والتواصل مع النَّاس بالحبّ.

فـ”كوفيد19” فيروسٌ صُنّفَ وباءً وحصدَ أرواحاً، ولكنَّه نزل علينا برداً وسلاماً بلطف من الله تعالى، لتكون هذه الزّهرة من قطاف زهورنا المثمرة واليانعة، عندما كان التصدّي لهذا الفيروس بأعمال وخطوات احترازية، هي من صميم اتخاذ الأسباب التي يريدها الله حماية للأنفس والأرواح، فكانت المعالجة لهذا الفيروس لزوم البيوت والتزامها وليس ترك البيوت وهجرانها، ونقطف زهرة الألفة من وسط المحن، لنحوّلها إلى منح ربانية وعطايا إلهية:

  • ألَمْ تلتمَّ العائلة في بيتها آمنة مطمئنة، فأعاد هذه الوباء للأسر والبيوت اعتباراً؟!
  • ألم تعرض البدائل للموظفات بالقرب من بيوتهنّ ليؤدّوا أعمالهن؟!
  • ألَم يحظَ الأطفال بإشراف مباشر من والديهم على تعليمهم وطعامهم ومشاركتهم أنشطتهم؟!
  • ألم يستشعر الأطفال بهذا الوباء حِرْصَ والديهم على صحّتهم وخوفهم عليهم ومحبّتهم لهم.
  • ألم يستشعر أفراد الأسرة قيمة الاجتماع واللّقاء اليومي، وتوطيد الرّوابط وتعزيز الوشائج؟!
  • ألَمْ يخرج البقاءُ في البيوت والتزامها، طاقات كانت كامنة، ومشاعر كانت حبيسة، وأفكاراً مبدعة كانت مختزنة، لتطلق العنان لها في التفكير والتميّز.

لقد أصبحت بيوتنا بفضل الله تعالى مساجدَ تُقام فيها الصلوات والأذكار، تأنس بالعبادة وتصدع بالتكبير والتهليل: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}. (النور:36).

وأصبح الأبناء مؤذنين وأئمة للصَّلاة، وباتت زوايا البيوت وأركانها محاريب لذكر الله وتلاوة كتابه، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)).[2]

أقبلت العائلة بصغارها وكبارها على كتاب الله الكريم، تنهل منه ما يروي عطشها، وتتزوّد منه ما يعينها في هذه الحياة، فوجدت فيه ذكرها ومنهجها ودستورها وشفاءها، وتفسير لكلّ ما يصيبها، ومعالم هادية في طريقها، وقصص وسير وأحداث تفتح آفاقها وتثبّتها وتُعينها وتمنحها العِلْمَ والعَمَلَ والأَمَل، لتزدادَ الألفة وتتوطّد العلاقة وتتعزّز المحبّة، وهذا ما عناه الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بقوله: ((لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَه))[3].

لقد كانت هذه الجائحة نعمةً عظيمةً، حيث صرفنا الله بها من صخب الشّوارع وضجيجها إلى سكينة النفوس وطمأنينتها، إلى أنس البيوت وصفائها، صرفنا الله سبحانه عنها، لنحسن إلى من استرعانا الله إيَّاهم، ونزداد قرباً منهم وصِلة بهم، فنشرف على تدريسهم وأحاديثهم والتعرّف على أفكارهم وتطّلعاتهم وأمانيهم، ولنشاركهم كلّ ذلك، في أجواء فيها الألفة والمحبّة والرّعاية والاهتمام.

ما أجمل القلوب والأرواح، حين تزيَّن باللّجوء إلى الله والتضرّع والانكسار بين يديه، بدل أن يكون مبلغ علم النَّاس وأمانيهم وأعمالهم وجلّ اهتمامهم في تزيين البيوت والأواني والمفاخرة بها والتنافس فيها والبذخ والتبذير في شرائها واقتنائها.

مِنحٌ كثيرة كسبناها في هذا الفيروس، وزهور قطفناها من هذه الجائحة، فكانت لنا فيها نماذج مميّزة لبيوت تعمرها الألفة والمحبَّة، وهو ما يجب أن يكون حالها في كلّ الظروف.

فلعلَّ في ذلك كلّ الخيرُ والبركة للوقوف دوماً على إنعام وأفضال الله سبحانه في واقعنا وحياتنا، غفلنا عنها أو نسينا ذكرها وشكرها، ولتكون هذه الزّهور ورياحينها دافعاً لنا دوماً ليصبح هذا حالنا أبداً، {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. (التوبة: 105).

[1]  رواه الإمام أحمد في مسنده.

[2]  حديثٌ متفق عليه.

[3]  أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

الزَّهْرَةُ الرَّابِعَةُ: زَهْرَةُ الإِحْسَان

زهرة اليوم في “وقفات إيمانية”، هي زهرة من أجمل الزّهور التي نقتطفها في هذه الفترة التي تزامنت مع ظهور هذا الوباء المسمّى بـ”كوفيد19”.

زهرة نختارها من حديقة آيات وتعاليم القرآن الكريم: من قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.  (يونس: 26). ومن قوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}. (الرَّحمن: 60). ومن قوله تعالى: {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}. (القصص: 77).

ونستلهم شذاها من بستان السنَّة النبوية على صاحبها أفضل الصَّلاة وأزكى التَّسليم، في قوله: ((الإحْسَان أن تعبد الله كأنَّك تراه فإنْ لم تكن تراه فإنَّه يراك))[1]. وعن شدَّاد بن أوس رضي الله عنه، قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: ((إنَّ الله كتبَ الإحْسَانَ على كلِّ شيء))[2].

هذه الزَّهرة يعبق ريحها ويزداد جمالها ويبلغ أثرها:

  1. في وقتِ المِحَن والابتلاءات.
  2. وفي زمانِ الفتن والأزمات.
  3. وفي حالاتِ الحاجات والانكسارات.

هذه الزَّهرة هي (زهرة الإحسان)، وجائحة “كوفيد19″، التي أصابت وأذهلت العالم في انتشارها وتأثيرها، هي موسمها وميدان تطبيقها وبثّها بين الناس -كغيرها من الزهرات التي سبق وتطرقنا إليها -علينا أن نُحسن التَّعامل مع المواسم بمختلف معطياتها، فالحياة فرصٌ ونفحات، والدّنيا دارُ عبور زائلة، والتَّعامل بالإحسان ((زهرتنا اليوم)) معها في كل وقت وحين، يجعل لنا فيها الأثر الطيّب هنا في الحياة، والفوز هناك عند لقاء الله سبحانه.

فما هو الإحسان؟

الإتقان في اللّغة العربية، هو أن تؤتي العمل على أتمّ وجه وأكمله وأحسنه، سواء كان فعلاً أو قولاً أو تصرّفاً، تماماً كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، صلّى الله عليه وسلّم، في قوله: ((إنَّ الله يحبُّ إذا عمل أحدُكم عملاً أن يتقنه)[3].

ويكون ذلك مع كلّ من تتعامل معهم عبادةً لله وحدَه، وحتّى مع الجمادات والبهائم، كما جاء في حديث ابن عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: ((كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ، فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ، فَحَنَّ الْجِذْعُ، فَأَتَاهُ، فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهِ))[4]. وهو النَّبيُّ الحبيبُ، صلَّى الله عليه وسلّم، حينَ يتحدَّثُ عن جَبَلِ أُحُدٍ، يصفه فيقول: ((إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ))[5].

ويكون الإنسان في تعامله بالإحسان مُدركاً ومستشعراً اطّلاع الله عليك، مستحياً من التّقصير فيه، وفي ذلك قمَّة الاستشعار، كما في حديث جبريل عليه السَّلام: ((قال ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فأنه يراك))، أي: تتصرَّف متذلّلاً مستحضراً قلبك مستشعراً عظمة ربّك.

ويتجدّد السُّؤال هنا: متّى يمكن أن نقطف هذه الزّهرة ونظفر بخيرها وبركتها ونفوز بجائزتها عن الله تعالى؟

فيأتي الجواب سريعاً: إنَّ هذه الزَّهرة ((زهرة الإحسان)) في حروفها ومعانيها، في نعيمها وخيرها متاحة في جميع الأوقات والأحوال، فهي:

  • عند السَّرَّاء وعند الضَّرَّاء، تكون أطيب.
  • وعند الرّضا وعند الغضب تكون أبلغ.
  • وعند العافية وعند البلاء تكون أعظم.

وفي سيرة الأنبياء والرّسل نجدُ أحسنَ الأمثلة وأروع البيان في وصف من تعامل بها وقطف ثمارها وجمع الإحسان كلّه، كلّ ذلك نجده في سورة من سور القرآن الكريم، امتدحها فنزل هذا الكتاب، وقال بأنَّها أحسنُ القَصَص، {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ}. (يوسف: 3).

حازَ بطلها نبيّ الله يوسفُ، عليه السَّلام، على نصف الجمال في خلقه وهيئته، أحسن عليه السَّلام في أخلاقه وأبى إلاّ أن يقابل النّعم بالشّكر، فحافظ على عِفّته أمام الإغراءات، حافظ على أخلاقه وإحسانه أمام إساءات الغير، صَبَر على الظلم، وتحلّى بالإحسان في أصعب المواقف عليه السَّلام.

أثنى عليه ربُّه وجازاه مجازاة المحسنين لحكمته وعلمه، حتَّى وهو سجينٌ تجسَّد الإحسان في تعامله ورأى من معه آثارَ ذلك عليه، مكَّن الله له في الأرض، وهذا وعدُ الله لا يضيع أجرَ المحسنين، {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}. (هود:115). قال ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية الكريمة: “فإنَّ الله لا يضيع ثوابَ عمل من أحسن فأطاع الله واتبع أمره، فيذهب به، بل يوَفّره أحوجَ ما يكون إليه”.

هذا الإحسان الذي أسمينا به زهراتنا، لا يمكن أن تجد عبقاً له أعظم ممَّا وجد في سورة يوسف، هذه السُّورة العظيمة، والتي تجمَّلت بالإحسان في كلّ أحداثها على الرَّغم من صعوبة مجرياتها إلا أنَّ الإحسانَ كان ملازماً لها.

وتعالوا معي، نتأمَّل هذا الإحسان من حولنا ليكون دافعاً وهاجساً نحرص على تطبيقه في كل أمورنا، تأمَّلوا الإحسان فيما ننعم به في هذه الدَّولة الكريمة، في ظلّ جائحة تجتاح العالم:

  • إحسان نشهده من أهلينا.
  • وإحسان نشهده من رجال أمننا.
  • وإحسان نشهده من جنودنا في الجيش الأبيض، خطّ دفاعنا الأبطال، الذين يواجهون عدواً أعجز الدّول الكبرى بفتك الأرواح وتعطيل المصالح ووقف لمناحي الحياة.

نتحسَّس إحساناً نتعامل به ونلمسه جَليّاً في:

  1. فحوصات لا نُسأل عن ثمنها.
  2. علاجات توفّر على أعلى مستوى.
  3. خدمة لا يحلم بها أحد؛ فهناك من يتابع مواعيدك، وهناك من يأتي بدوائك.

إحسان نتفيَّأ ظلاله الوارفة في حياتنا، ولا نملك أن نجاريه إلاّ بمثله، فهل جزاءُ الإحسان إلاَّ الإحسان، قال ابنُ زيد في تفسير قوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}. (الرّحمن: 60): (حينَ أحسنوا في هذه الدّنيا أحسنّا إليهم، أدخلناهم الجنَّة). وقال قتادة: (عَمِلُوا خيراً فجُوزُوا خيراً).

ولنا في يوسف عليه السَّلام القدوة والمثل الطيّب، في (زهرة الإحسان)، فقد جَمَعَ كلَّ معاني الإحسان في سيرته ومسيرته، وجسَّدها في حياته شاكراً لها عاملاً بها.

 

[1]  رواه الإمام مسلم في صحيحه.

[2]  رواه الإمام مسلم في صحيحه.

[3] أخرجه أبو يعلى والطبراني، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

[4]  أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.

[5]  أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.

الزَّهْرَةُ الثَّالِثَةُ: زَهْرَةُ اللُّطْفِ

زهرة (اللُّطف) مُستقاة من مَعينِ أسماء الله الحُسنى، واسمه تعالى (اللَّطيف)، قال الله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}. (الأنعام: 103).  وقال سبحانه: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}. (يوسف:100). قال الإمام الخَطَّابي: “اللَّطيف هو البَرُّ بعباده، الذي يلطف بهم من حيثُ لا يعلمون، ويُسبِّب لهم من مصالحهم من حيث لا يحتسبون”.

وحين نقطف هذه الزَّهرة في زمن المحن والفتن، ومن رحم هذه الجائحة، يكون اللُّطف مُدهشاً عجيباً عندما يسوقه الله سبحانه إليك، وحين يُوصل إليك مرادَك بلطفٍ، فهو سبحانه وتعالى، لا تفجَؤك أفضاله، بل يسبقها برياح البُشرى، ويُهيّئ القلبَ لاستقبالها {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.  (الملك:14).

ثمَّ إذا نزلت الأفضال بساحة العباد هيَّأ الله لها الأسباب، حتى إنَّ العبدَ ليحسب أنَّ ذلك من كسبه وجهده، وهي في الحقيقة من كرم عطائه وعظيم مَنِّه.

إذا أراد اللَّطيف أن يلطف بك، جعل من لا ترجو الخيرَ منه، هو سببُ أعظم العطايا التي تنالك.

ويأتي بطفه عظائم المقادير، فلا تنتبِّه إلاَّ وهذا الذي حسبته معجزه من المعجزات قد بات بساحتك، وتتيَّقن بأنَّ حولك وقوّتك أقلّ من أن يُحدثه.

إذا أراد اللَّطيفُ أن ينصركَ في حدثٍ من الأحداث، وتحسب أنه لا يمكن سبباً، فكان من أعظم الأسباب لنصرتك وتأييدك.

إذا أراد اللّطيفُ أن يُكرمك جعل من لا ترجو الخيرَ منه، هو سببُ أعظمِ العَطايا التي تنالك.

ونستشعرُ عظيمَ لُطفه، في حياة نبيّ الله يوسف عليه السَّلام، عندما أراد أن يخرجه من السّجن، لم يدكّه ولم يكسر قفلَ بابِه، ولم يهلك ظُلاّمه، بل جعل ذلك رؤيا في المنام، ليخرج بهذه الرؤيا من هذا السّجن المُعتم، فكانت حياته كلّها مسيّرة بلطف الله، {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}. (يوسف: 100).

ولمَّا أراد الله عودة موسى -عليه السَّلام-لأمِّه جعل ذلك، بلطف لم يستشعره فرعون وقوّته، فحَرَّمَ عليه المراضع، {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ}. (القصص:12)، ليرجعه إلى أمّه وتقرّ عينها برؤيته، {فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ}. (طه: 40)، وهكذا هي ألطافه سبحانه في عباده المؤمنين.

وها نحن نلمس عظيمَ لُطف الله تعالى بنا في “جائحة كوفيد 19″، لنقطفها زهوراً، في أنفسنا ومجتمعنا وفي بلادنا، بلاد الخير والعطاء التي حباها الله بالنّعم، فكم هو لطفُ الله عظيماً، حين هيَّأ الله لها الظروف والإمكانيات وأعدّها في جميع الجوانب والمجالات، لتتعامل مع هذا الوباء على وَجْهٍ عجزت أمامه دول العالم العظمى.

وقد سبق هذا التعامل مع هذه الجائحة، نجاحٌ آخر بفضل ولطف الله تعالى، في التعامل مع حصار جائر، لمسنا فيه لطفَ الله العظيم وتوفيقه العميم، إذ اعتصمت الدَّولة وقيادتها الرَّشيدة بربّها سبحانه، لتعتمد على نفسها وتنهض باقتصادها وتدير الأزمة بفضل الله تعالى، بأقلّ الأضرار والخسائر، فجاء “فيروس كوفيد 19” على الدَّولة وشعبها بَرْداً وسَلاَماً.

ولو راجع المرءُ خفايا لطف الله وأسراره، التي مرّت عليه في حياته، لوجدها ماثلة حيّة في كلّ مناحي أموره ودقائق وقته وتفاصيل حياته.

نَسألكَ اللُّطفَ في أمورنا كلّها يا خفيَّ الألْطَاف.

الزَّهْرَةُ الثَّانِيَةُ: زَهْرَةُ الاسْتِشْعَار

هي زهرة تعيش بيننا، وتظهر أمامنا، ونستنشق أريجها كل يوم، في بيوتنا ومكاتبنا وفي جميع أحوالنا، لكنَّنا نغفل عنها أو ننسى، وكثيراً ما ورد في كتاب ربّنا تنبيهُ وتذكيرٌ لنا على هذه النعمة الكبيرة في حياتنا، مرّة بقوله: {وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}. (البقرة:154)، وأخرى بقوله: {لَوْ تَشْعُرُونَ}. (الشعراء:113)، وثالثة بقوله: {وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}. (الزمر:55). ورابعة في قوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ}. (البقرة:9). وخامسة بقوله تعالى: {بَلْ لَا يَشْعُرُونَ}. (المؤمنون:56).

إنَّها زهرة استشعارُ النّعم وسط هذه الآلام، وتحسّس لطف الله ونسمات رحمته وسط هذا الرّكام، واستجابة نداء ربّنا وتوجيهه في قلب المحن والابتلاءات قال عزّ وجل: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ}. (الشورى:47). وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. (الأنفال:24).

وفي هذه الوقفة الإيمانية، سنركّز على نعمةٍ واحدةٍ لنقطف زهرها، ونرفع بها سقف تأمّلنا ليزداد شكرنا، وهي مبثوثة في قوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}. (قريش: 3-4). قال الشيخ السعدي، رحمه الله، في تفسيره: “فرغدُ الرّزق والأمن من المخاوف، من أكبر النّعم الدنيوية، الموجبة لشكر الله تعالى”.

إنَّ نعم الله سبحانه على عباده كثيرة وعظيمة: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}. (النحل: 18)، ومن أعظمها: الإيمان والأمن. وما أجمل أن يكون استشعارها بمنهج الإعمار الذي أراده الحق سبحانه لهذه الأمَّة: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}. (هود: 61).

نستشعر هذه النعم في بلدنا قطر، التي هيّأها الله لنا، لتواجه هذه الجائحة بفضل ومنّه سبحانه.

نستشعر النّعمة كيف تجاوزناها بفضل الله، في حين عجزت عن ذلك كثيرٌ من الدول العظمى.

نستشعر النّعمة والفضل منه سبحانه، حين كانت دولتنا تتعرّض لسنوات لحصار جائر، حسبناه شرّاً لنا، فإذا به هو هدية من الله تجسّدت في لطفه، لتتهيَّأ البلاد لأمر هو أشدّ وأخطر وأكبر، خلال هذه الجائحة، فيمرّ بفضل الله سبحانه، وما وفّقت إليه حكومتنا الرّشيدة، في التعامل معه، فكان برداً وسلاماً على كل من يعيش على ثرى هذه البلاد.

نستشعر قيمة التوجيهات في الاحتراز من خطر هذه الجائحة، وهو الالتزام في البيوت، فأشدّ ما واجهه الشعب هو حجرُ البيوت، آمنين مطمئنين، فكان هذا الحجرُ حجراً واحترازاً وبعداً من الإصابة بهذا الفيروس من ناحية، وإنقاذاً لقلوبنا وأرواحنا من كثير من الانشغال بصخب الحياة، وما يعانيه النَّاس من خطرها على القلوب والعقول والجوارح، وهم لا يشعرون.

هي زهرة الاستشعار، حين نقطفها في حياتنا، نسمو بعبادتنا القلبية التي هي من أفضل العبادات، وهي الانكسار بين يدي الله تعالى، امتناناً لعطائه وشكراً لنعمائه سبحانه، {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}. (يونس:58).

الزَّهْرَةُ الأُولَى: زَهْرَةُ الإِيمَان

في هذه الوقفة الإيمانية نعلم أنَّ “كوفيد” ليس نبتة نتطّلع لقطف زهورها، بل هو فيروس مستجدٌّ للحُمَّى التَّاجية (corona)، صنّفته منظمة الصحّة العالمية، بأنَّه وباءٌ عالمي.
وفي ظل هذه الظروف يتردَّد هذا السُّؤال، هل ما يحدث في هذا العالم، هو نِعمة أم نِقمة؟

الجميع يعلم أنَّه وباءٌ أصاب العالم أجمع، وشلّ جميع مناحي حياته، هو كارثة أممية، إذا هو مصيبة.

ودينُنا الحنيف، يعلّمنا كيف نستقبلُ المصائبَ والمحن، ويُرشدنا دوماً، كيف تتولّد المنح من المحن، وكيف نستخرج الهدايا الرّبانية من الابتلاءات، وكيف نقطف الزهور من هذه الأحداث والفتن.

إنَّ أولى هذه الزُّهور التي نقطفها من هذه الجائحة هي زهرةُ الإيمان؛ الإيمان بالله وبكتابه الكريم، وما جاء فيه من آيات وأحكام وتعاليم، يقيناً منّا بأنَّ ما جاء فيه لا ريب فيه. {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}. (البقرة: 02). عن ابنِ عبَّاس، رضي الله عنه، {لا ريبَ فيه}، قال: (لا شكّ فيه). قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: (فكتاب الله تعالى لا شكَّ فيه ولا ارتياب؛ والمعنى: أنَّه في ذاته حقٌّ وأنَّه منزَّلٌ من عند الله).

إنَّها زهرةٌ من أزكى الزّهور وأجملها، وأبهجها شكلاً وأطيبها أثراً، ذلك أنَّ مبعثها هو الإيمان، الذي هو الرّكن الأوَّل والركيزة الصلبة التي التي يقوم عليها بناء المجتمع الإيمانيّ والعقيدة الإيمانيّة الصّحيحة عند المسلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإنَّ اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد).

وكتابنا الذي نؤمن بما جاء به، يقول فيه سبحانه وتعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. (التغابن:11).

وكان منبع هذه الزهرة، هو بشرى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حين يُبشّرنا متعجباً من حال وأمر المؤمن، حين تعترض المصائب والآلام، لتأتي البشرى منه عليه الصَّلاة والسَّلام، ((عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ، إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ))، كما في حديثه صلّى الله عليه وسلّم.

نعم، إنَّ ما حلّ بنا في هذه الجائحة هو مصيبة، ولكنَّ حالنا معها ينبغي أن يكون، كحال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، حينما أودع السّجن، وغلّقت عليه الأبواب، تبسّم ونظر إلى السجّان، وتلا حينها قوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ}. (الحديد:13).

نؤمنُ يقيناً أنَّ هذه الجائحة هي رحمةٌ للمؤمنين، حين يستسلم المؤمن لله في أموره كلّها، ويحسن التعامل مع أقدار الله تعالى.

والمؤمن يعلم أنَّ ما أصابه من مصيبة فهو من نفسه، ولذلك ينأى بنفسه أن يكون في مصيبة أو سبباً في مصيبة، وذلك بسلوك ونهج ما يلي:

  1. البعد عن المعاصي والذنوب من الأقوال والأفعال التي تبعده عن الله وتسيء للعباد.
  2. أن تكون ردود أفعاله وتعامله مع أخطاء الآخرين، تبعاً لتوجيه ربّ العالمين.
  3. أن يُحسنَ التعامل مع أقدار الله تعالى، التي لا يملك لها شيئاً، ويتعامل معها بالرّضا والتسليم والطّاعة لله تعالى، ومخلصاً في أعماله لله سبحانه.

وَقَفَاتٌ إِيمَانِيَّةٌ (زهورُ الكُوفِيد) المقدِّمة

الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من اقتفى أثرهم وسار على منهجهم إلى يوم الدِّين،

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الهُدَى والتُّقَى والعَفَافَ والغِنَى،

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ: عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ.

اللّهُمَّ مَا قَضَيْتَ لِي مِنْ قَضَاءٍ، فَاجْعَلْ عَاقِبَتَهُ لِي رَشَدًا.

وبعدُ، فهذه الوقفات الإيمانية، هي مجموعة من المحاضرات ألقيت على مسامع ثلّة من البنات الكريمات والأخوات العزيزات، اللّواتي شاركنا معنا، في فعاليات وبرامج النادي الصيفي 2020، في مركز آل حنزاب للقرآن الكريم وعلومه، والذي كان هذا العام، تحت شعار” اقرأ وارتق”، وانتظمت فعاليته عن بعد، استجابة لتوجيهات قيادتنا الرّشيدة، في البقاء في البيوت، بناءً على الإجراءات الاحترازية بعد تفشّي فيروس “كوفيد 19″، وحفاظاً على سلامة أبنائنا وبناتنا وأخواتنا.

وقد جاءت تسمية هذه المحاضرات في هذا العالم الافتراضي، بـ” وقفات إيمانية“، لما يمثله استشعارُ القيم الإيمانية في هذه الأحداث والكوارث التي اجتاحت العالم، من أهمية كبرى في حياتنا كلّها، في علاقتنا مع الله سبحانه، ومع الأهل، ومع الأقارب، ومع النَّاس جميعاً، ذلك أنَّ كلّ ما يصيبنا من خير أو شرّ هو من الله سبحانه وتعالى، وبالتالي، فهو كلّه خيرٌ لنا في دنيانا وآخرتنا، مصداقاً لقول الرّسول صلّى الله عليه وسلّم:  ((عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلاَّ للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ))[1].

ثمَّ كانت تسميَّة عناوين هذه الوقفات الإيمانية بـ “زهور الكوفيد”، استناداً إلى قيمة الفأل الحسن، التي كان ينتهجها الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في حياته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُعجبه الفألُ الحَسَنُ))[2]. ففي حقيقة الأمر، فإنَّ فيروس “كوفيد 19” هو وباءٌ خطير أصاب الكرة الأرضية قاطبة، وفتك بأرواح ملايين الناس فيها، مثلما فتكت الأوبئة والأمراض والطواعين التي اجتاحت عالمنا الإسلامي في التاريخ، لكنّ علماء الأمَّة ورجالها الصَّالحين، عبر التاريخ، كانوا يتعاملون مع هذه الأزمات والفتن، بالحكمة المستقاة من توجيه القرآن الكريم وأحكامه وآياته، قال الله عزّ وجل: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا}. (الحديد:22). وقال الله تعالى: {وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍۢ}. (الشورى: 30). والمستجيبة لإرشاد السنّة النبوية وأحاديث الرّسول عليه الصَّلاة والسَّلام، قال النبي صّلى الله عليه وسلّم: ((ما يصيبُ المسلم من نَصَب ولا وَصَب ولا همّ ولا حُزن ولا أذَى ولا غَمّ حتى الشوكة يشاكها إلاَّ كفَّر الله بها من خطاياه))[3]. وفي كتاب: (سير أعلام النبلاء) للإمام الذهبي، (كان شُريح يقول: “إنّي لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عليها أربعَ مرَّات: أحمدُ إذ لم يكن أعظمَ منها، وأحمدُ إذ رزقني الصَّبر عليها، وأحمدُ إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو من الثَّواب، وأحمدُ إذ لم يجعلها في ديني”.).

فهذه الجائحة وإن رآها البعض نِقمة ومِحنة، ففيها النّعمة والمِنْحة من الله سبحانه، فقد قال الله تعالى تسليةً وبشرى للمؤمنين، وهو يواجهون المحنَ والابتلاءاتِ والفتنَ، {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}. (النور:11).  وقال عزّ وجل: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. (البقرة: 216).

ومن هنا، كانت نظرتنا إلى هذه الجائحة نظرة إيجابية، وأنَّ الواجب في التعامل معها، يحتّمُ علينا العمل كيف نحوّلها إلى منحة وهدية ربانية، نستقي منها ما يفيدنا في حاضر حياتنا ومستقبلنا، ونأخذ الدروس والعِبر من أحداثها ونتائجها، ونحوّلها إلى زهور ورياحين ننثر شذاها وعبيرها في أسرنا وعائلاتنا ومجتمعاتنا، وعلى منْ حولنا من النَّاس جميعاً.

ومن هذا المنطلق، كانت هذه الوقفات الإيمانية، وكانت هذه الزهور والرّياحين، نقدّمها لكم، ونسأل الله تعالى أن تكون نافعة مفيدة، ويكتب الله لنا ولكم حسنَ التوفيق في الدُّنيا والقَبول في الآخرة.

وقد جاءت هذه الوقفات الإيمانية في سبع زهرات متتاليات، على النَّحو التالي:

الزَّهرةُ الأولى: زَهرةُ الإيمان.

الزَّهرةُ الثَّانية: زَهْرَة الاستِشْعَار.

الزَّهرةُ الثَّالثة: زَهرةُ اللُّطف.

الزَّهرةُ الرَّابعة: زَهرةُ الإِحْسَان.

الزَّهرةُ الخَامسة: زَهرةُ الأُلْفَة.

الزَّهرةُ السَّادِسة: زَهرةُ القُدرة.

الزَّهرةُ السَّابِعة: زَهرةُ الشُّكر.

فكانت هذه زهورنا في هذه الجائحة منتقاة ومختصرات، وبكتاب ربّنا الكريم وسنّة نبيّنا مستلهمات، وللخير والنّفع معبّرات، ولله الحمدُ ربّ العالمين.

 

الدكتورة نورة آل حنزاب الدَّوحة … 2020/07م 

[1]  رواه الإمام مسلم في صحيحه.

[2]  رواه ابن ماجه في سننه وأحمد في مسنده.

[3]  متفق عليه.

دور المعلم

قصص تحكي دور المعلم عندما يدرك عظيم رسالته وأثر صنعته ويكون مربياً قبل أن يكون معلماً ، وقد أصاب السابقون عندما كانوا يعلمون أولادهم أن يظفروا بسمت معلميهم قبل أن يكسبوا علمه .

فهذه أم الإمام مالك بن أنس امام دار الهجرة أحسنت توجيهه عندما قالت له اذهب إلى ربيعه فتعلم من أدبه قبل علمه .

وقال مالك لفتى من قريش يا أبن أخي تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم ، وقال ابن وهب الذي تعلمنا من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه ، وقال يحى التميمي أقمت عند مالك بن أنس بعد كمال سماعي منه سنه أتعلم هيئته وشمائله فإنها شمائل الصحابه والتابعين .

وهذه القطوف دروس لكل معلم ومعلمه ومربي يرجوا الله ومثوبته في تعليم جيل وتوجيه عسى أن يكونوا في صحائفه يوم لقاء ربه


قصة تيد ستيوارد ومعلمته

حكاية من الواقع

 

من القصص الملهمه لكل مهتم في التربيه قصه تيد ستيوارد و معلمته السيده تومسون نستلهم منه أثر الكلمه و قوتها في تغيير الفكره و من ثم تلك المشاعر التي تعكس الأفعال فتتغير بها الأحوال ، كيف و هي تساهم في صنع هذا الأنسان و بها قد تكسبه لتتغير بها صحائفك  و تترجح بها موازين اعمالك انها الفرص عندما يفوز بها صانعوا الأجيال من المعلمين و المعلمات

حين وقفت المعلمة أمام الصف الخامس في أول يوم تستأنف فيه الدراسة، وألقت على مسامع التلاميذ جملة لطيفة تجاملهم بها، نظرت لتلاميذها وقالت لهم: إنني أحبكم جميعاً، هكذا كما يفعل جميع المعلمين والمعلمات، ولكنها كانت تستثني في نفسها تلميذاً يجلس في الصف الأمامي، يدعى تيدي ستودارد.

فل تيدي خلال العام السابق، ولاحظت أنه لا يلعب مع بقية الأطفال، وأن ملابسه دائماً متسخة، وأنه دائماً يحتاج إلى حمام، بالإضافة إلى أنه يبدو شخصاً غير مبهج، وقد بلغ الأمر أن السيدة تومسون كانت تجد متعة في تصحيح أوراقه بقلم أحمر عريض الخط.. وتضع عليها علامات x بخط عريض، وبعد ذلك تكتب عبارة “راسب” في أعلى تلك الأوراق.

وفي المدرسة التي كانت تعمل فيها السيدة تومسون، كان يطلب منها مراجعة السجلات الدراسية السابقة لكل تلميذ، فكانت تضع سجل الدرجات الخاص بتيدي في النهاية. وبينما كانت تراجع ملفه فوجئت بشيء ما!!

لقد كتب معلم تيدي في الصف الأول الابتدائي ما يلي: “تيدي طفل ذكي ويتمتع بروح مرحة. إنه يؤدي عمله بعناية واهتمام، وبطريقة منظمة، كما أنه يتمتع بدماثة الأخلاق”.

وكتب عنه معلمه في الصف الثاني: “تيدي تلميذ نجيب، ومحبوب لدى زملائه في الصف، ولكنه منزعج وقلق بسبب إصابة والدته بمرض عضال، مما جعل الحياة في المنزل تسودها المعاناة والمشقة والتعب”.

أما معلمه في الصف الثالث فقد كتب عنه: “لقد كان لوفاة أمه وقع صعب عليه.. لقد حاول الاجتهاد، وبذل أقصى ما يملك من جهود، ولكن والده لم يكن مهتماً، وإن الحياة في منزله سرعان ما ستؤثر عليه إن لم تتخذ بعض الإجراءات”.

بينما كتب عنه معلمه في الصف الرابع: “تيدي تلميذ منطو على نفسه، ولا يبدي الكثير من الرغبة في الدراسة، وليس لديه الكثير من الأصدقاء، وفي بعض الأحيان ينام أثناء الدرس”.

وهنا أدركت السيدة تومسون المشكلة، فشعرت بالخجل والاستحياء من نفسها على ما بدر منها، وقد تأزم موقفها إلى الأسوأ عندما أحضر لها تلاميذها هدايا عيد الميلاد ملفوفة في أشرطة جميلة وورق براق، ما عدا تيدي. فقد كانت الهدية التي تقدم بها لها في ذلك اليوم ملفوفة بسماجة وعدم انتظام، في ورق داكن اللون، مأخوذ من كيس من الأكياس التي توضع فيها الأغراض من بقالة، وقد تألمت السيدة تومسون وهي تفتح هدية تيدي، وانفجر بعض التلاميذ بالضحك عندما وجدت فيها عقداً مؤلفاً من ماسات مزيفة ناقصة الأحجار، وقارورة عطر ليس فيها إلا الربع فقط.. ولكن سرعان ما كف أولئك التلاميذ عن الضحك عندما عبَّرت السيدة تومسون عن إعجابها الشديد بجمال ذلك العقد ثم لبسته على عنقها ووضعت قطرات من العطر على معصمها. ولم يذهب تيدي بعد الدراسة إلى منزله في ذلك اليوم. بل انتظر قليلاً من الوقت ليقابل السيدة تومسون ويقول لها: إن رائحتك اليوم مثل رائحة والدتي! !

وعندما غادر التلاميذ المدرسة، انفجرت السيدة تومسون في البكاء لمدة ساعة على الأقل، لأن تيدي أحضر لها زجاجة العطر التي كانت والدته تستعملها، ووجد في معلمته رائحة أمه الراحلة!، ومنذ ذلك اليوم توقفت عن تدريس القراءة، والكتابة، والحساب، وبدأت بتدريس الأطفال المواد كافة “معلمة فصل”، وقد أولت السيدة تومسون اهتماماً خاصاً لتيدي، وحينما بدأت التركيز عليه بدأ عقله يستعيد نشاطه، وكلما شجعته كانت استجابته أسرع، وبنهاية السنة الدراسية، أصبح تيدي من أكثر التلاميذ تميزاً في الفصل، وأبرزهم ذكاء، وأصبح أحد التلايمذ المدللين عندها.

وبعد مضي عام وجدت السيدة تومسون مذكرة عند بابها للتلميذ تيدي، يقول لها فيها: “إنها أفضل معلمة قابلها في حياته”.

مضت ست سنوات دون أن تتلقى أي مذكرة أخرى منه. ثم بعد ذلك كتب لها أنه أكمل المرحلة الثانوية، وأحرز المرتبة الثالثة في فصله، وأنها حتى الآن مازالت تحتل مكانة أفضل معلمة قابلها طيلة حياته.

وبعد انقضاء أربع سنوات على ذلك، تلقت خطاباً آخر منه يقول لها فيه: “إن الأشياء أصبحت صعبة، وإنه مقيم في الكلية لا يبرحها، وإنه سوف يتخرج قريباً من الجامعة بدرجة الشرف الأولى، وأكد لها كذلك في هذه الرسالة أنها أفضل وأحب معلمة عنده حتى الآن”.

وبعد أربع سنوات أخرى، تلقت خطاباً آخر منه، وفي هذه المرة أوضح لها أنه بعد أن حصل على درجة البكالوريوس، قرر أن يتقدم قليلاً في الدراسة، وأكد لها مرة أخرى أنها أفضل وأحب معلمة قابلته طوال حياته، ولكن هذه المرة كان اسمه طويلاً بعض الشيء، دكتور ثيودور إف. ستودارد!!

لم تتوقف القصة عند هذا الحد، لقد جاءها خطاب آخر منه في ذلك الربيع، يقول فيه: “إنه قابل فتاة، وأنه سوف يتزوجها، وكما سبق أن أخبرها بأن والده قد توفي قبل عامين، وطلب منها أن تأتي لتجلس مكان والدته في حفل زواجه، وقد وافقت السيدة تومسون على ذلك”، والعجيب في الأمر أنها كانت ترتدي العقد نفسه الذي أهداه لها في عيد الميلاد منذ سنوات طويلة مضت، والذي كانت إحدى أحجاره ناقصة، والأكثر من ذلك أنه تأكد من تعطّرها بالعطر نفسه الذي ذَكّرهُ بأمه في آخر عيد ميلاد!!

واحتضن كل منهما الآخر، وهمس (دكتور ستودارد) في أذن السيدة تومسون قائلاً لها، أشكرك على ثقتك فيّ، وأشكرك أجزل الشكر على أن جعلتيني أشعر بأنني مهم، وأنني يمكن أن أكون مبرزاً ومتميزاً.

فردت عليه السيدة تومسون والدموع تملأ عينيها: أنت مخطئ، لقد كنت أنت من علمني كيف أكون معلمة مبرزة ومتميزة، لم أكن أعرف كيف أعلِّم، حتى قابلتك.

(تيدي ستودارد هو الطبيب الشهير الذي لديه جناح باسم مركز “ستودارد” لعلاج السرطان في مستشفى ميثوددست في ديس مونتيس ولاية أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية، ويعد من أفضل مراكز العلاج ليس في الولاية نفسها وإنما على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية)

 

 

 

 

 

 

 

 

خواطر معلمة

وهذا من اجمل ما قرأت لك ايتها المعلمه

افضل خواطر تم رصدها لمن استشعر النعم ….وحول الجهد والعمل لاحد متع العمر …واحتسب عند الله الاجر

خواطر معلمة …

اقترب الموعد..
اقترب موعدي لدخول عالمهم..
للتأثير في تفاصيل حياتهم.. للعب على أوتار مشاعرهم .. لرسم مستقبل تفكيرهم .. لتغيير منهج فهمهم .. لهندسة عقولهم … اقترب الموعد…

كل هذا ؟؟
نعم كل هذا.. وأكثر..

فأنا لست معلمة للحروف والكلمات فقط…
أنا صانعة للانسان..
انا مهندسة البناء أو معول الهدم..
أنا التي سيراني قدوته .. أو سيكره العلم بسببي …

أنا أمه التي لم ألده..
أنا أخته التي لا أعيش معه بنفس المنزل..
أنا صديقته التي يراني كل يوم شاء أم أبى..

ترى كيف سأدخل هذا العالم؟ بأي نفس وبأي هدف وبأي همة؟..

أهي يا ترى وظيفة علي أن أؤدي تفاصيلها وحسب…

أم هي درجات أرتقي بها عند ربي لأعالي جنانه.. واقابل بها نبيه عند الحوض لأقول له .. ساهمت يا حبيبي في بناء أمتك…..

هي خواطر ينبغي أن افكر فيها جدياً في عامي الدراسي الجديد..😊

كل عام وأنتم بخير صانعات الانسان 😍